فوزي آل سيف
41
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
فتارة وصفوا سندها في الفقيه بالصحيح أو الحسن كالصحيح، وأخرى بأنه لا حاجة إلى التحقيق في سندها فإن متنها هو سندها ودليل صحة صدورها عنهم عليهم السلام حيث لا يستطيع غيرهم أن يقول مثل هذا الكلام العميق في معانيه والبليغ في ألفاظه. بل إن بعضهم قد استدل ببعض فقراتها في أحكام الفقه وهو يعني الثقة بصدورها عن المعصوم.[134] 3/ إن أهمية الزيارة الجامعة هي أنها جاءت في عصرٍ كثر فيه اتجاه الغلو في المعصومين عند بعض من ينتسب إلى التشيع[135]، وفي نفس الوقت كان اتجاه الخلافة العباسية يريد القضاء على صورة المعصومين القدسية وتحويلهم إلى أشخاص عاديين لا ميزة لهم إلا بمقدار من العلم، وهذا يمكن لغيرهم الحصول عليه! بل إنهم يمكن أن يصبحوا عبيد الدنيا والشهوة كما غيرهم![136] فهذه الزيارة في نفس الوقت الذي تثبت منازلهم العالية ومقاماتهم التي لا يدانيهم فيها أحد، فإنها لا تخرجهم عن كونهم عبيدا مكرمين. فأول ما نلاحظ في الحديث المروي عن الإمام الهادي أنه يأمر الزائر بأن يكبر الله سبحانه مائة تكبيرة، موزعة على ثلاثة مواضع، وهذا كما قال بعض العلماء لكيلا يتسرب الغلو إلى نفس الزائر من عظمة الكلمات التي يقولها ويقرأها. كما أننا نلاحظ أن الزائر يسلم عليهم بالصفات التالية: السَّلَامُ عَلَى الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ وَالْأَدِلَّاءِ عَلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالْمُسْتَقِرِّينَ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَالتَّامِّينَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالْمُخْلِصِينَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْمُظْهِرِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَعِبَادِهِ الْمُكْرَمِينَ الَّذِينَ لٰا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فهم دعاة إلى الله، وأدلاء على مرضاته، ومخلصون في توحيده ومظهرون لنهيه، وعباد مكرمون يعملون بأمره، فمن يقرأ هذه العبارات لا ينبغي أن يتصور أن فيهم شيئا من الله: حلولا أو جزءًا أو بنوة أو شراكة أو غير ذلك مما انحرف إليه الغلاة. وهكذا عندما يخاطبهم بأنه يشهد بأنهم أئمة راشدون، مطيعون لله، قوامون بأمره، عاملون بإرادته وأنهم لهذا عظموا جلال الله وأداموا ذكره وأحكموا عقد طاعته، وأخلصوا له سرا وعلانية، ودعَوا إلى سبيله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنهم نشروا شرائع أحكامه وسنوا سنته.. فلا معنى بعد ذلك لأي نحو من أنحاء الغلو والارتفاع: " وَأَشْهَدُ أَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ الْمَعْصُومُونَ الْمُكَرَّمُونَ الْمُقَرَّبُونَ الْمُتَّقُونَ الصَّادِقُونَ الْمُصْطَفَوْنَ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ الْقَوَّامُونَ بِأَمْرِهِ الْعَامِلُونَ بِإِرَادَتِهِ الْفَائِزُونَ بِكَرَامَتِهِ اصْطَفَاكُمْ بِعِلْمِهِ وَارْتَضَاكُمْ لِغَيْبِهِ وَاخْتَارَكُمْ لِسِرِّهِ وَاجْتَبَاكُمْ بِقُدْرَتِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهُدَاهُ وَخَصَّكُمْ بِبُرْهَانِهِ وَانْتَجَبَكُمْ بِنُورِهِ وَأَيَّدَكُمْ بِرُوحِهِ وَرَضِيَكُمْ خُلَفَاءَ فِي أَرْضِهِ وَحُجَجاً عَلَى بَرِيَّتِهِ وَأَنْصَاراً لِدِينِهِ وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ وَتَرَاجِمَةً لِوَحْيِهِ وَأَرْكَاناً لِتَوْحِيدِهِ وَشُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَأَعْلَاماً لِعِبَادِهِ وَمَنَاراً فِي بِلَادِهِ وَأَدِلَّاءَ عَلَى صِرَاطِهِ عَصَمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الزَّلَلِ وَآمَنَكُمْ مِنَ الْفِتَنِ وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ وَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً. فَعَظَّمْتُمْ جَلَالَهُ وَأَكْبَرْتُمْ شَأْنَهُ وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ وَأَدْمَنْتُمْ ذِكْرَهُ وَوَكَّدْتُمْ مِيثَاقَهُ وَأَحْكَمْتُمْ عَقْدَ طَاعَتِهِ وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَدَعَوْتُمْ إِلَى سَبِيلِهِ ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضَاتِهِ وَصَبَرْتُمْ عَلَى مَا أَصَابَكُمْ فِي جَنْبِهِ وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَجَاهَدْتُمْ فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ حَتَّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ وَبَيَّنْتُمْ فَرَائِضَهُ وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ وَنَشَرْتُمْ شَرَائِعَ أَحْكَامِهِ وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ وَصِرْتُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُ إِلَى الرِّضَا وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضَاءَ وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضَى".
--> 134 ) نقله السيد علي الميلاني في كتابه مع الأئمّة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة / منشور على موقعه الالكتروني فقد أشار إلى استدلال السيدين الخوئي والكلبايكاني بفقرة ( من جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك) في الفقه في باب الطهارة. 135 ) مر في صفحات سابقة بحث عن الغلو والغلاة وكيف قاومه الأئمة عليهم السلام. 136 ) نلحظ هذا في إصرار المتوكل كما تقدم في حاشية سابقة وقوله:" ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا! أبى أن يشرب معي أو ينادمني أو أجد منه فرصة في هذا"! وهكذا ما فضح به الإمام الرضا عليه السلام المأمونَ العباسي من أنه لا يريد حسنا بتنصيب الإمام وليا للعهد وإنما له مطامع أخر، عندما قال له: " تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ اَلنَّاسُ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى لَمْ يَزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا بَلْ زَهِدَتِ اَلدُّنْيَا فِيهِ أَ لاَ تَرَوْنَ كَيْفَ قَبِلَ وِلاَيَةَ اَلْعَهْدِ طَمَعاً فِي اَلْخِلاَفَةِ.." وقد ذكرنا ذلك مع مصادره في كتابنا: عالم آل محمد: الإمام علي بن موسى الرضا.